القائمة الرئيسية

الصفحات

 سلسلة الدواجن والبيض بين الغذاء والمرض… أين الحقيقة؟

المقال الثاني: هل الفراخ فعلا تُحقن بالهرمونات؟

ربما لا توجد جملة تتكرر على ألسنة الناس أكثر من:

“الفراخ دي مليانة هرمونات!”

فكلما رأى الناس دجاجة كبيرة الحجم أو سريعة النمو، كان التفسير الجاهز: “أكيد محقونة هرمونات!”

لكن… هل هذا الكلام صحيح فعلا؟ أم أننا أمام واحدة من أكثر الشائعات انتشارا في عالم الغذاء؟

قبل الإجابة، علينا أولا أن نسأل السؤال الأهم:

ماذا لو استُخدمت الهرمونات فعلا في الدواجن؟ وما خطورتها على الإنسان؟

الحقيقة أن الاستخدام العشوائي للهرمونات — لو حدث — قد تكون له آثار خطيرة وكارثية، لأن بقايا بعض الهرمونات قد تتراكم في الأنسجة، ويؤدي الإفراط في التعرض لها إلى اضطرابات هرمونية (اختلال كيميا الجسم) ، والبلوغ المبكر، وزيادة احتمالات بعض الأمراض الخطيرة، ومنها بعض أنواع السرطان.

ولهذا السبب تحديدا، تخضع هذه المواد لرقابة شديدة عالميا.

لكن كل ذلك لم يكن رادعا فقد  جرت بالفعل محاولات قديمة لاستخدام الهرمونات في الدواجن، لكنها فشلت وهذا من فضل الله على الإنسان .

فالإنسان حين يسعى وراء الربح قد يجرّب كل الوسائل الممكنة الصالح منها والطالح، وقد شهدت بعض الفترات — خصوصا في منتصف القرن الماضي — محاولات لاستخدام هرمونات صناعية مثل هرمون الإستروجين الصناعي (DES).

لكن النتائج جاءت عكس المتوقع تماما.

فبدلا من تحسين إنتاج اللحم بصورة اقتصادية:

زادت نسبة الدهون في الطيور، وتراجعت جودة اللحم، وأصبح المنتج أقل قبولا لدى المستهلك.

ولم تتوقف المشكلة عند هذا الحد، بل ظهرت عقبات أخرى جعلت الفكرة شبه مستحيلة عمليا واقتصاديا:

فقد تبين أن تكلفة إستخدام الهرمونات مرتفعة جدا مقارنة بسعر الدجاج نفسه، كما أن استخدامها يحتاج غالبا إلى حقن يومى لكل طائر على حدة، وهو أمر شبه مستحيل داخل مزارع تضم عشرات أو مئات الآلاف من الطيور، إضافة إلى أن تكرار الإمساك بالطيور وحقنها يسبب إجهادا شديدا، ويرفع معدلات الإصابة بالأمراض والنفوق وفوق كل ذلك فإن سرعة دورة تربية الدواجن اصلا لا تعطى مساحة كبيرة لتحقيق استفادة اقتصادية حقيقية من استخدام الهرمونات. ولهذا انتهت هذه المحاولات إلى الفشل، ولم تصبح وسيلة عملية معتمدة في صناعة الدواجن الحديثة.

إذن… من أين جاء هذا النمو السريع؟

هنا نصل إلى الحقيقة التي يجهلها كثير من الناس:

الدجاج التجاري الحديث ليس هو نفسه دجاج المزارع القديمة قبل 70 أو 80 عاما.

ما حدث يشبه تماما ما يحدث في تطوير سلالات الأبقار أو النباتات أو الخيول. فالعلماء أمضوا عقودا طويلة في عمليات دقيقة من:

الانتخاب الوراثي، وتحسين السلالات، واختيار الطيور الأسرع نموا، والأفضل في تحويل العلف إلى لحم، والأكثر مقاومة للأمراض.

ومع مرور الأجيال ظهرت السلالات الحديثة القادرة على النمو السريع والإنتاج العالي دون الحاجة إلى هرمونات.

ثم جاءت عوامل أخرى ساعدت على هذا التطور، مثل:

التغذية المحسوبة بدقة، والبيئة المُتحكم فيها، وبرامج التحصين والرعاية الحديثة، وتحسين الإدارة داخل المزارع.

لكن… هل معنى ذلك أن كل شيء آمن ومثالي؟

الإجابة: لا.

وهنا يقع الخلط الكبير.

فالخطر الحقيقي في بعض أنظمة التربية الحديثة لا يكون غالبا في “الهرمونات” التي يخشاها الناس، بل في أمور أخرى قد تكون أخطر فعلا، مثل:

الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية، والإضافات غير المنضبطة في الأعلاف، وضعف الرقابة أحيانا، والسعي لخفض التكلفة بأي وسيلة ومحاولة تجنب الخسائر.

وهنا تبدأ الأسئلة الأخطر فعلا:

ولتكن البداية بالسؤال عن تأثير بقايا المضادات الحيوية على الإنسان؟

لأن الحقيقة المرة أحيانا لا تكون فيما يخشاه الناس… بل فيما لا ينتبهون إليه أصلا. وهذا هو موضوع المقال التالى إن شاء الله


تعليقات