الدواجن والبيض بين الغذاء والمرض… أين الحقيقة؟
المقال السادس: لماذا تغيّر طعم الفراخ والبيض؟
قد عبّر أجدادنا عن ذلك ببساطة مدهشة حين كانوا يقولون:
“الفراخ اللي بتجري… طعمها يجري فيها.”
ورغم بساطة العبارة، فإن وراءها معنى علميا حقيقيا.
فالدجاج قديما كان يعيش حياة تختلف تماما عن دجاج اليوم. كان يتحرك طوال اليوم، يبحث عن الحبوب والحشرات والخضرة، ويتعرض للشمس والهواء الطبيعي، وينمو ببطء على مدى شهور طويلة. أما الآن، فمعظم دجاج التسمين الحديث يُربى داخل عنابر مغلقة، ويصل إلى وزن الذبح خلال 35 إلى 45 يوما فقط.
وهنا يظهر الفرق الكبير.
فالحركة المستمرة قديما كانت تؤدي إلى: عضلات أكثر تماسكا، وألياف عضلية أكثف، وطعم أكثر تركيزا. بينما يؤدي النمو السريع الحديث إلى: زيادة نسبة الماء داخل العضلات، وليونة أكبر في اللحم، وطراوة أسرع عند الطهي، لكن مع نكهة أخف عند كثير من الناس. ولهذا كانت الفراخ القديمة: “أشد” في المضغ، وأقوى في الشوربة والرائحة، وأوضح في الطعم. كما كان لون الدهن يميل أحيانا إلى الاصفرار بسبب التغذية الطبيعية المعتمدة على الحبوب والخضرة.
أما الفراخ الحديثة فتمتاز غالبا بأنها: أسرع في التسوية، وأكثر طراوة، وأسهل في الإنتاج والتوفير، لكن كثيرين يرون أنها أقل نكهة من دجاج الماضي. والسبب الأساسي يعود غالبا إلى: السلالات الحديثة سريعة النمو، وأنظمة التربية المكثفة، ونوعية العلف، وقلة الحركة، وصغر العمر عند الذبح. بل إن بعض الناس لو ذبحوا دجاجة عمرها 35 يوما من سلالة بلدية قديمة، سيجدون أيضا أن طعمها يختلف كثيرا عن دجاجة من السلالة نفسها عاشت خمسة أو ستة أشهر. فالزمن نفسه جزء من النكهة.
والبيض أيضا… لماذا كان “أطيب”؟ البيض يتأثر بدرجة كبيرة بغذاء الدجاجة وطريقة تربيتها.
الدجاجة التي تتحرك بحرية وتأكل: الحبوب المتنوعة، والخضرة، والحشرات، وبقايا الطعام الطبيعية، تعطي غالبا: صفارا أغمق، وطعما أقوى، ورائحة أوضح.
أما الإنتاج التجاري الحديث فيعتمد على علائق محسوبة بدقة، هدفها الأساسي: تحقيق أعلى إنتاج، وثبات الجودة، وتقليل التكلفة.
لذلك أصبح البيض الحديث أكثر تجانسا في الشكل والحجم، لكنه عند بعض الناس أقل “روحا” ونكهة.
وهل لون الصفار دليل جودة؟
هنا تقع واحدة من أشهر الخدع البصرية. فكثير من الناس يظنون أن: الصفار البرتقالي يعني بيضا صحيا ممتازا، والصفار الفاتح يعني بيضا ضعيف الجودة.
لكن الحقيقة ليست بهذه البساطة. فلون الصفار يتأثر أساسا بنوعية الغذاء، خاصة الصبغات الطبيعية الموجودة في: الذرة، والخضرة، وبعض الإضافات العلفية الطبيعية.
لذلك قد نجد بيضتين متقاربتين جدا في القيمة الغذائية، لكن صفار إحداهما أغمق من الأخرى فقط بسبب اختلاف العلف. إذن… أين الحقيقة؟ هنا ينقسم الناس عادة إلى فريقين:
فريق يرى أن الأمر مجرد حنين للماضي، وفريق يعتقد أن الغذاء الحديث فقد قيمته تماما وأصبح “صناعيا”.
لكن الحقيقة — كالعادة — أكثر تعقيدا من الطرفين.
نعم، هناك تغير حقيقي حدث في: طعم الدجاج، وقوام اللحم، ونكهة البيض، وطبيعة التربية. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن كل الغذاء الحديث فاسد أو غير صالح.
فالدواجن الحديثة وفّرت مصدر بروتين مهم ورخيص نسبيا لملايين الناس، وجعلت اللحوم البيضاء والبيض في متناول شرائح واسعة من المجتمع، وهو أمر لم يكن سهلا قديما. لكن في المقابل، ظهر سؤال مهم: ما تأثير هذا التحول على صحة الإنسان؟ وأصبحت القضية الآن تتعلق بـ: جودة التربية، ونوعية التغذية، ومستوى الرقابة، واحترام المعايير الصحية. ولذلك يبقى السؤال شديد الأهمية:
ماذا تأكل الدواجن أصلا؟
وهل صحيح أن بعض الأعلاف قد تحتوي على مخلفات حيوانية؟ وما تأثير نوع العلف على صحة الإنسان وجودة اللحم والبيض؟
هنا ندخل إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في صناعة الدواجن الحديثة… وهو ما سنناقشه في المقال القادم إن شاء الله.

تعليقات
إرسال تعليق