الدواجن والبيض بين الغذاء والمرض… أين الحقيقة؟
ملاحظة:يدور هذا المقال حول البيض المنتج وفق المواصفات والمعايير الصحيحة.
المقال الخامس: هل البيض عدوٌّ للقلب فعلا؟
البيض من أكثر الأطعمة التي انتقلت في نظر الناس عبر التاريخ من التقديس، إلى “غذاء متهم”، ثم إلى “غذاء مهم”، قبل أن تبدأ النظرة العلمية الحديثة في التعامل معه بصورة أكثر توازنا.
ولعل اللافت أن البيض كان حاضرا في الأساطير والعادات الشعبية منذ آلاف السنين، بسبب ارتباطه بالحياة والخلق والتكاثر.
ففي بعض الثقافات القديمة كان يُمنع أكله في أيام معينة مرتبطة بمعتقدات فلكية أو شعبية، كما انتشرت خرافات تزعم أن تغير شكل البيض أو رائحته أو ظهور خطوط داخله دليل على السحر أو المس الشيطاني، بينما ترتبط هذه التغيرات غالبا بفساد البيض أو بطبيعته الداخلية.
وفي بعض المجتمعات استُخدم البيض في طقوس شعبية يُعتقد أنها تكشف الحسد أو “تمتص الطاقة السلبية”، وهي معتقدات لا أصل علمي لها.
ومن أشهر الموروثات الشعبية في عالمنا العربي الاعتقاد أن تناول البيض مع السمك يسبب أمراضا خطيرة أو بقعا جلدية، بينما لا توجد قاعدة علمية عامة تؤيد ذلك عند الشخص السليم، إلا في حالات الحساسية أو فساد الطعام.
كما انتشرت خرافات غذائية كثيرة حول البيض حتى ظنها الناس حقائق ثابتة.
فمن أشهر هذه المعتقدات أن البيض يرفع الكوليسترول دائما ويسبب أمراض القلب، لكن الدراسات الحديثة فرّقت بين كوليسترول الطعام وكوليسترول الدم.
فمعظم الناس لا يرتفع لديهم كوليسترول الدم بشكل كبير نتيجة تناول البيض باعتدال، بينما ترتبط الخطورة الحقيقية غالبا بعوامل أخرى مثل:السمنة،وقلة الحركة،والتدخين،والإفراط في السكريات والدهون المصنعة،وسوء نمط الحياة عموما.
كما كان يُعتقد أن البيض ممنوع تماما لمرضى القلب، بينما تسمح كثير من التوصيات الحديثة بتناوله باعتدال ضمن نظام غذائي متوازن، مع مراعاة الحالة الصحية لكل شخص.
ومن المعتقدات الشائعة أيضا أن البيض البني أفضل غذائيا من الأبيض، بينما الحقيقة أن لون القشرة يعتمد أساسا على سلالة الدجاجة، وليس على القيمة الغذائية.
أما الفرق الحقيقي فيرتبط غالبا بتغذية الطائر وطريقة التربية.
وساد اعتقاد أن البيض النيء أكثر فائدة من المطهو، بينما الواقع أن الطهي المعتدل يحسن امتصاص البروتين ويقلل خطر التلوث ببكتيريا السالمونيلا.
كما اتُّهم البيض بأنه يسبب السمنة، رغم أن المشكلة غالبا لا تكون في البيض نفسه، بل في طريقة الطهي وكثرة الدهون المصاحبة له.
وفي السابق كان يُنصح بتأخير إدخال البيض إلى غذاء الأطفال خوفا من الحساسية، لكن كثيرا من التوصيات الحديثة ترى أن إدخاله بشكل مناسب قد يساعد أحيانا في تقليل خطر الحساسية لدى بعض الأطفال، ما لم تكن هناك حساسية مثبتة بالفعل.
ومن الشائعات المنتشرة أيضا أن كِبر حجم البيضة أو سرعة نمو الدجاج دليل على استخدام الهرمونات، بينما يرتبط ذلك أساسا بالتحسين الوراثي والتغذية الحديثة والإدارة الجيدة، وليس بحقن الهرمونات كما يظن البعض.
وفي المقابل ظهر اتجاه معاكس يعتبر البيض غذاء كاملا يمكن تناوله بلا حدود، لكن الحقيقة أن الاعتدال يظل ضروريا، فالإفراط في أي غذاء ليس فكرة صحية، خاصة مع وجود أمراض مزمنة أو نظام غذائي غير متوازن.
إذن فالمشكلة ليست في وجود الكوليسترول في البيض، بل في اختلال التوازن داخل الجسم، خاصة مع الالتهابات المزمنة، والسمنة، والتدخين، وقلة الحركة، وسوء نمط الحياة عموما.
أما البيض، فيُعد من أكثر الأغذية تكاملا من الناحية الغذائية.
فالبيضة الواحدة تحتوي على:بروتين عالي الجودة،وأحماض أمينية أساسية،وفيتامينات ومعادن مهمة،إضافة إلى الكولين الضروري لصحة المخ والأعصاب.
وقد أشارت دراسات حديثة إلى أن تناول البيض باعتدال (بيضة إلى بيضة ونصف يوميا، بما لا يزيد عن ٦ بيضات اسبوعيا) لا يشكل خطرا على معظم الأشخاص الأصحاء كما كان يُعتقد قديما.
لكن هذا لا يعني أن البيض بلا حدود.
فهناك فرق بين الشخص السليم، وبين من يعاني من اضطرابات شديدة في الدهون، أو أمراض قلب متقدمة، أو سكري غير منضبط.
كما أن طريقة تناول البيض قد تكون أحيانا أهم من البيض نفسه.
فالبيض المسلوق يختلف تماما عن البيض المقلي في كميات كبيرة من الزيوت الرديئة، أو الذي يُتناول ضمن نظام غذائي مليء بالأطعمة المصنعة والوجبات السريعة.
وفي كثير من الأحيان لا يكون “البيض” هو المشكلة الحقيقية، بل النظام الغذائي الكامل المحيط به.
فقد يخاف الإنسان من بيضتين في الإفطار، بينما يستهلك يوميا كميات ضخمة من السكر والمشروبات المصنعة والزيوت الرديئة دون أن ينتبه.
ولهذا بدأت النظرة الحديثة للتغذية تتحول من “شيطنة غذاء واحد” إلى فهم الصورة الكاملة لنمط الحياة والغذاء.
لكن يبقى سؤال مهم:
لماذا يشعر كثير من الناس أن “بيض زمان” كان مختلفا في الطعم والشكل وحتى الإحساس بالشبع؟
وهل تغيرت فعلا طبيعة الفراخ والبيض مع تطور التربية الحديثة؟وهل اختلفت القيمة الغذائية بالتوازي مع ذلك؟
هذا ما سنناقشه في المقال القادم…

تعليقات
إرسال تعليق